السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني
321
تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )
ابن مريم ، وخروج الدابة ، وبقية أشراط الساعة ، وفناء الدنيا . وهنا تم الكلام بالوقف على لفظ الجلالة ، وما بعده كلام مستأنف فيبتدئ القارئ بقوله « وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ » الثابتون فيه الذين أتقنوا أصوله وفروعه بحيث بلغوا من اليقين فيه حدا لا يتطرق إليهم الشك والشبهة معه ، لأن هؤلاء الأبرار القادة الأخيار « يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ » أي المتشابه على ما هو عليه ، واعتقدنا أحقيته على ما جاء من اللّه ، واعترفنا أن أفهام البشر قاصرة عن معرفة المراد منه ، وهذا هو إيمان التسليم وهو مذهب السلف الصالح كما أشرنا إليه عند كل ذكر يتعلق به ، راجع الآية 210 من سورة البقرة المارة . واعلم أن هذه الجملة الأخيرة حالية ، وفيها على هذه القراءة وفي الوقف على لفظ الجلالة في الجملة قبلها ثناء على اللّه تعالى بالإيمان بما جاء في كلامه بلا تكييف ، وعليه جرى أكثر المفسرين وبه قال ابن مسعود وابن عباس وأبي بن كعب والسيدة عائشة وأكثر التابعين وهو الموافق لسياق التنزيل ، ووقف بعض القراء على كلمة ( العلم ) وتابعه بعض المفسرين ، إلا أن الوقوف عليها يحتاج إلى كلام آخر ليكون مبتدأ ، وفيه ما فيه من تعبير النظم وتبديل المعنى ، تأمل . ويقول أولئك الكاملون العارفون « كُلٌّ » من المحكم والمتشابه منزل « مِنْ عِنْدِ رَبِّنا » عزّ وجل ما علمنا منه وما لم نعلم ، ويجب علينا الإيمان بهما ويفترض علينا أن نكل علم ما لم نعلم منهما إليه تعالى وتعمل بما علمناه . روي عن ابن عباس أنه قال تفسير القرآن على أربعة أوجه : الأول تفسير لا يسع أحدا جهله ، الثاني تفسير تعرفه العرب بألسنتها ، الثالث تفسير تعلمه العلماء بما علمهم اللّه ، الرابع تفسير لا يعلمه إلا اللّه وهو مما استأثر اللّه بعلمه . والراسخون في العلم هم العلماء العاملون بما علموا المتقون فيما بينهم وبين اللّه ، المتواضعون فيما بينهم وبين الناس ، الخافضون جناحهم للمتعلمين منهم الزاهدون في الدنيا ، المجاهدون أنفسهم في عبادة اللّه ، المخلصون بأعمالهم له ، ذوو القلوب الحيّة المتذكرون بما ذكرهم به ربهم « وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ ( 7 ) » أمثال هؤلاء الراسخين الذين يقفون عند قولهم آمنا به الملهمين علمهم من اللّه عزّ وجل القائلين عند تلاوة المتشابه « رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا » عن الهدى كما أزغت قلوب أولئك المفتونين « بَعْدَ